صفحة الاستقبال


 

 

مقتطفات من رواية

السيد عبد المالك

المــومنــــــــــــــــــــــي

 

منشورات عكـــاظ

الطبعة الأولـى

1996

 


 

 

 

 "وقف القطار في محطة وجدة على الساعة السابعة صباحا.أيقظنا الصبيين ،     وخرجنا من المحطة ، وركبنا سيارة أجرة صغيرة الى المحطة الطرقية.

كانت الحافلة التي تربط وجدة بابركان بالية، هدارة المحرك، تصدر لها منه حشرجة كحشرجة المصدور، قذرة الأرضية ،متآكلة الكراسي والمقاعد،صدئة الجوانب والسقف.كان كل شيئ يطقطق فيها وهي سائرة.

وفي الخارج ريح شرقية صحراوية تخترق النوافذ المغلقة نصفها او كلها، ومن حين لآخر، يصعد غبار من الأرض الى السماء في حركة لولبية وينفذ بعضه عبر جوانب النوافذ، ويتسرب عبر التنفس ، فتختنق منه الأنفاس أو تكاد.في تلك اللحظة لعنت وضعي ووظيفتي المحترمة التي لم أستطع أن أوفر منها ما أشتري به سيارة بالية رغم مرور خمسة عشر عاما من توظيفي.وها أنا وزوجي نتعذب في الحلول والمقام.

اجتزنا سهل أنكاد. كان أغبر أحمر متربا، بعدما كنا نراه في هذه الفترة أبيض من عيدان الحصيد،ومنعرج "الكربوص" غدا صعبا في السنين الأخيرة لما يعرفه في مثل هذا الموسم من حركة السير فيه.فقد أخذ المغتربون في الخارج يأتون الى وطنهم بسياراتهم الصغيرة والكبيرة ، ينضاف الى ذلك كله حركة الذهاب والاياب ليل نهار الى شاطئ السعيدية القريب ومنه.

دخلت الحافلة مدينة أحفير ، وتوقفت بها ريثما نزل ركاب وركب آخرون، مع ما يأخذ ذلك من انزال الأمتعة من فوق الحافلة ومن جوانبها وملئها بأخرى. وتباطأت في السير وهي تشق أزقة المدينة لمصادفتها سوقا أسبوعية تكثر فيها حركة المرور بالأرجل والعربات والسيارات، وصعدت بالسرعة الثانية  عقبة "حجرة الحلوف" ثم ما لبثت ان نزلت المنحدر المؤدي الى بئري " غراوة وأولاد رضوان" وحين أطلت على سهل "بني منقوش" همست الى يونس وعائشة اننا سننزل بعد لحظات ، بينما أشرت الى الجابي أن "الركادة نريد.."

سارت الحافلة بطيئة الى ان اقتربت من قرية حديثة المبلاد على حافة الطريق السفلية ، وحين حاذت أول المنازل تنحت نحو قارعة الطريق المتربة فتوقفت.

حانت مني التفاتة الى خارج الحافلة  حيث رصت مبان فوضى وبحوائط وطوابق مختلفة ، متعددة الأشكال والألوان ، وفوق المباني هوائيات التلفزيون من الأسلاك المتقاطعة الى الصحون المقعرة ، وانتفض شيئ ما بداخلي ، وخطوت الى الأمام الى حيث السائق ، وقلت في غضب وحدة :

-الركادة العين، لا الركادة "المدينة"

حملق في السائق مستغربا لهجتي،بينما كان الركاب يرمقونني مستنكرين لهجتي

وكأنني التقطت أذني تعليقا ساخرا"وهل بقي شيئ من العين؟" .تحركت الحافلة

وسارت قرابة اربعمائة متر بالسرعة الأولى وأخيرا توقفت.نزلت زوجتي وعائشة

.وحملت يونس نازلا به،بعد ان اعتذرت للسائق.نزل الجابي ليخرج بعض

حوائجنا من الصندوق التحتي للحافلة .

  - معذرة قلت للجابي ،سفر في القطار طوال الليل، مع ما ترى منحر الهجير

،وتعب العيال،ووالدي-أنظره- غير بعيد ينتظر..." ابتسم لي وهو يهم بالركوب

والحافلة تتحرك.ولم أكد ألوي وجهي ناحية أبي الذي كان واقفا بجانب فرسه

الأدهم، حتى رأيت الصبيين في أحضانه،فلما اشبعهما ضما وتقبيلا،أرخــى

ساعديه ليضمنا أنا وزوجتي تباعا،ثم حملنا الأمتعة على عدلي الفرس،وأردف

يونس وعائشة على متنه وهما فرحان،وهممنا بالتوجه الى "الدار الكبيرة"

حيث أمي تنتظر على أحر من الجمر...لكنني التفت الى أبي قائلا:

  - اسبقوني الى الدار، وسأبقى قليلا هنا.

  -سألت عائشة: وماذا عساك تفعل هنا ،أبي ،والشمس حارقة؟

أجابها أبي بنبرة مداعبة: -له حاجة يقضيها بين هذه الديار....

                                     ****

 ها أنت ذا واقف بمعالم المحبوبة"للا خضرا" تجول بعينيك الدامعتين حول

بطحائها الفيحاء الموحشة،ورسومها الدائرة، تحدس في كل شيئ  وكنت صاحب

حدس.قد فاضت من عينيك العبرات ،غمرت الأجفان،فارتسمت من خلال البلل

بحيرة قطرها مد البصر ،لاحت منها فجأة حورية من حوريات الينابيع والمحيطات

الأسطورية بخد أسيل أشرب بياضا وحمرة،وعيني جؤذر غرير ،وظفائر حرير،

تهدلت على قوام طوال ،هضيم الحشا،ممكور الردف ،ريان المخلخل،عبل الشوى

"..." كانت حوريتي متمددة تمدد عملاقة.رنوت الى العينين النجلاوين ،ولذت الى

الى الصدر الرؤوم،فاستحات في الأحضان الدافئة طفلا يتشرب رجع الأيـــــــــام

الخاليات،ويسكر بخمر الذكرى،وغبت في نشوة قصوى ،تهدهدني أنامل الأحاجي

والحكايات، حكايات سنينا الزاهيات....

  تبصر خليلي،هل ترى سحائب جونا،طالعات  من المتوسط تخترقها ايماضات

 البروق، وتسوقها رياح لواقح بسوط الرعود المرزمة سوقا هينا تارة ،وعنيفا

مرة ،حتى اذا اطبقت على جبل" بني يزناسن " وسهل تريفة ،انهمر الماء غيوثا

 ساريات وغاديات ،جودا ورهاما ،فتمتلئ  مسايل الأودية النازلة من الجبل،حتى

اذا استوت في حجره لفها في بساطه وعانقها بأذرعه وصرفها الى وريديه وادي

  " الغضبان" الذي يلف قاعي  وبطحائي ، ووادي "رضوان" الذي يصب في

  أبيه وادي كيس ،لتعود في رجعها  الى مهدها الأول ، بحر المتوسط ،مشتاقة

  اليه  ،ولما تبعد عنه بكيلومترات معدودات .واحيانا ، وفي عز الشتاء ،تتعمم

 قمم الجبال  وسفوحه العليا والدنيا بالثلج الناصع ،يكون ايذانا بعام خير عميم مبارك.

  تذكر خليلي يوم فيضاني ...أكون غارقة في سبات عميق ،فاذا اعترى المنطقة

  ما يعتريها من الأنواء، انتشت أوردتي،وانتعشت شراييني ، ثم ما ألبث ان اتنبه

واهتز اهتزازا عنيفا ، ثم أنفجر نبعا فياضا  يسيل في السهل الخصيب ، متخذة

سبيلي  عبر وادي "الغضبان"  فملوية فالبحر ،مانحة من وما على ضفافي

 من جودي .

كان يوم فيضي عيدا ،يحشر الي الأنام من كل فج وشعبة وواد ودوار ومدشر

شيبا وشبابا وولدانا ، نساء وصبايا وعذارى ،يسبحون ويهللون ،ويكبرون

شاكرين لبارئهم أن لا زلت حية  معطاء بينهم، فيهب الأسياد والأجواد،فينحرون

 بقاعي "الوزائع" ويولمون للجميع ،وتعلو أرجائي الأغاني والأغاريد يرددها

 الفرسان والعذارى ،فاذا حل المساء ،راحوا الى مساكنهم، فيحتفلون بـــي

بالصفـــــوف والدفــــــــوف.

(...) كان ببطحاء الركادة دكانان مشهوران للبقـالة، يتزود منهما سكان المداشر

 والدواوير المجاورة مما يحتاجون اليه من سكر وشاي وزيت وصابون مقطع

أ أو مسحوق أو مشروبات غازية وحلوى ولعب للأطفال رخيصة،ولوازم أخرى

 لهم.

  أحد هذين الدكانين صاحبه بوزيان،ويقع على جانب الطريق الرئيسية الرابطة

  بين وجدة وبقية مدن الشمال وقراه.وأما الآخر،فيقع أسفل الطريق الثلاثية

 المتفرعة عن الرئيسية الأولى، وتربط بين الركادة،وشاطئ السعيدية شمــــالا

  وصاحبــه  السي محمــود.

  وقد كان السي محمود وبوزيان عضوين في المقاومة قبل الاستقلال، وبعـــده

  حين تعددت مشارب الناس ومصالحهم ، وكثرت بذلك جماعاتهم وشيعهـــــــم

  وأحزابهم،بقي أحدهما في حزبـه، وانضم الآخر الى حزب كان ضئيلا قبـــــــل

  الاستقلال، وعلا كعبه قليلا بعيده، وكان بوزيان  يسكن خلف دكانه، وبنـــــــى

  بجانبه محلا استأجره لأحدهم يدعى مومن الذي حوله الى مقهى شعبــــــــــي

  ومكان لاصلاح الدراجات النارية والهوائية، ولم يكن مومن يعدم زبناء لأن

  القرويين كانوا يستعملون كثيرا هاتين الوسيلتين في التنقل لأغراضهم قريبــا

  أو بعيدا،وعلى واحهة هذا المحل سمر المكتب البريدي بأبركان علبة بريديـــــة

  حديدية،ووظف لها ساعيا يأتيها من المدينة كل صباح على دراجة نارية أول

  الأمر ثم  في سيارة "دوشوفو" الراقصة، فيجمع ما بها من رسائل،فيعــــود

  الى المدينة، وبمحاذاة هذا المحل أيضا،هناك محل آخر يرى أغلب أوقاته مغلقا

  صاحبه رجل عجوز ،وبه آلة هاتف لم يكن يستعملها الا المستعمرون الجنــــد

  أو أصحاب المزارع المجـــــاورة.

  أما السي محمود، فقد جمع في دكانه البقالة والحلاقة،وكان الى ذلك حافظــــا

  للقرآن، يحدث زبناءه بما يفهمه منه ،ويفتيهم في بعض مسائل دينهم من كتب

  صفراء كانت بحوزته .وكان يستأجر دكانه  من المعمر "بورو" وبجانبـــه

  مباشرة وأسفل منه ،كانت مطحنة الركادة المشهورة .جلب آلياتها النصراني

  المذكور ،وجعل عليها شخصا يدعى حماد ، وكان يشتغل بها رفقة صبــــي

  له من بزوغ الفجر الى غسق الليل ،لكثرة ما يرد عليها من القرويين لطحــــن

  حبوبهم خاصة الشعير والقمح الصلب ..وكانت لهذه المطحنة ساحة بها مرابط

  للدواب ،قد اختلط روثها بالدقيق الأبيض.وكانت بها حركة وجلبة طول النهار

  ولما رحل المعمر ،ملكها ناظر المزرعة،واستمرت في العمل بساحة العيــــــن

  الى  أن بنيت القريــة النموذجية على جانبها،فنقلها اليها. ومنها ومن أشيــاء

  أخرى كـــون ثروتــــه ونفـــــوذه.

"......."    

يا أيها الربع الحبيب،ما فعلت بك الليالي والأيام؟ وقفت بك بعد سنين، شغلت خلالها بهمومي التي لا تنقضي.أقلب طرفي بين رسومك ومروجك،ذات اليمين وذات الشمال خلفي وأمامي.الدكانان مغلقتان، صاحباهما شيخان كبيران قد انزويا لاشك في عقــر داريهما،ولهما ما يسد بلغة العيش أو يغنيهما من مال وولد في انتظار قضاء نحبهما المحلات الأخرى مغلقة هي أيضا.واصحابها انتقلوا الى ما سموه ب"القريــــــــــــة النموذجية".وورائي لبئر نازحة.وسواقي النبع يابسة مثلمة قد ملئت ترابا وحصــــى وأحجارا.أين الشجر الباسق والظل الوارف ؟أين أسراب الطير،وقش الوكر؟ أيــــــن خطاطيفك الجون؟ ولقلاقك الأبيض الناصع؟ أين المروج الزهرات؟والعــــــــــــذارى الخفرات؟.مزرعة "جوان" خربة، سورها منقوب متصدع في بعض أطرافــــــــــــه محلاتها الداخلية مخروقة السقوف الزنكية،صدئتها،بقايا آليات ومقطــــــــــــورات، وأسطوانات ومحاريث مفككة ومتناثرة هنا وهناك .فبعد رحيل المعمرعنها،فوتــــت لشركة "وطنية" دعيت "سوفيطا" فأحالت بناياتها مهجورة، وعمالتها مطرودة وبساتينها المجاورة لها أرضا بلقعا الا بناية صغيرة بها مكاتب يدخل اليها ويخـرج منها موظفون أنيقون  كسالى لا يدري أحد ما يفعلون بالداخل ، غير أن لهم شاحنة مهترئة رتب لها سائق رث الهيئة يقوم بوظيفة السياقة والاصلاح الميكانيكـــــــــي للشاحنة .ولأحدهم سيارة رونو 21 أنيقة جديدة عليها في أمامها وخلفها علامـــــــة حمــــــــراء...

  "..."  والمدرسة،ما أذهلك عنها؟ وكانت لأهل البلد فيها أيام،وكان لها عندك وعند والدك ولداتك شأن.قد بدت أبوابها ونوافذ قسميها العتيقين المبنيين قبل الاستقلال،مغبرة مقشرة الصباغة،والحوائط مثلمة الزوايا وسخة الأضلاع.وبجوارهما قسما البناء المفكك الحديثان متربا السطحين البلاستيكيين،وقد ألصق بأحدهما غرفة صغيرة سقفها أوطأ من سطح الأقسام ، كانت بمثابة مقيل ومطبخ ومسكن للمعلمين المتناوبين البعيدين عن المدرسة.وغير بعيد مقابلهما من جهة الشمال،انتصبت بناية جديدة بابها من جهة بئر العين كانت عبارة عن مكتب البريد،وهي أيضا من البناء المفكك.

 ياوالها في حبه،وسادرا في غيه،ما وقوفك بهذه الطلول الدارسات؟وما بكاؤك على آثار نبعها العافيات؟ هلا استجمعت قوتك واستعدت رشدك،ولحقت بأهلك،قبل ان تصعقك هذه الشمس الصواحة،فانه لاظل اليوم الا ظلهم،ولا حضن حان الا حضنهم،وهل انس سواهم يسليك عما بك؟

  أخذت طريقي الى الدوار حيث "الدار الكبيرة" ولكن هذه الطريق تأبى الا ان تثير في المواجع.فقد كانت أيام الاحتلال طريقا واسعة معبدة يجدد تعبيدها بالحصى الصلد والزفت كل عام او عامين..وتسير عليها أثقل السيارات والعربات كأنها تمشي على زربية من حرير،واليوم تقلص عرضها الى نصفه،وتحددت حوافيها مع انحسار تربة الرصيف الترابي،فغدت حادة،لا تتسع حتى لسيارة واحدة صغيرة،فاذا تلاقت سيارتان متعاكستان لا بد لواحدة منها أن تخرج الى الحافة والرصيف،فيندق مطاط عجلاتها وتتفرقع..لأنه لم يجدد تعبيدها ولا تزفيتها ولا وقع توسيع عرضها ولو مرة واحدة بعد الانعتاق...وكأن أولياء أمورنا لا مصلحة لهم في تعبيد الطرق وتيسيرها.وكأن المعمرين كانوا أحرص على بلادنا منهم.أم أن ذوينا قالوا:"وما شأننا والسيارة وتعبيد طرقها؟ ولنا في الحمير والبغال كفاية لحمل متاعنا وزينة؟"

                        يتبع       

                                            

                                       

 

 

                                              

                                               

 

 

 

t